مصطفى صادق الرافعي

32

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

هو الذي تلقوه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لم يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولا اقتطع منه الباطل شيئا . ونحن فما رأينا الروايات تختلف في شيء من الأشياء فضل اختلاف ، وتتسنم في الرد والتأويل كل طريق وعر ؛ كما رأينا من أمرها فيما عدا نصوص ألفاظ القرآن ، فإن هذه الألفاظ متواترة إجماعا لا يتدارأ فيها الرواة ، من علا منهم ومن نزل ، وإنما كان ذلك لأن القرآن أصل هذا الدين وما اختلفوا فيه إلا من بعد اتساع الفتن ؛ وتألّب الأحداث وحين رجع بعض الناس من النفاق إلى أشد من الأعرابية الأولى ، وراغ أكثرهم عن موقع اليقين من نفسه ، فاجترءوا على حدود اللّه وضربتهم الفتن والشبهات مقبلا بمدبر ومدبرا بمقبل . فصار كل نزع إلى الاختلاف ، يريد أن يجد من القرآن ما يختلف معه أو يختلف به ، وهيهات ذلك إلا أن يتدسس في الرواية بمكروه يكون معه التأويل والأباطيل ، وإلا أن يفتح الكلمة السيئة ويبالغ في الحمل على ذمّته والعنف بها في أشياء لا تردّ إلى اللّه ولا إلى الرسول ، ولا يعرفها الذين يستنبطون من الحق ، بل لا يعرفون لها في الحق وجها . ونحسب أن أكثر ذلك مما افترته الملحدة وتزيّدت به الفئة الغالية ، وهم فرق كثيرة يختلفون فيه بغيا بينهم « 1 » ، وكلهم يرجع إلى القرآن بزعمه ويرى فيه حجته على مذهبه وبيّنته على دعواه ؛ ثم أهل الزيغ والعصبية لآرائهم في الحق والباطل ، ثم ضعاف الرواة ممن لا يميّزون أو ممن تعارضهم الغفلة في التمييز ، وذلك سواء كله ظلمات بعضها فوق بعض ، ومن لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور ، وقد وردت روايات قليلة في أشياء زعموا أنها كانت قرآنا ورفع . على أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يقرر الأحكام عن ربه إذا لم ينزل بها قرآن ، لأن السنّة كانت تأتي مأتاه ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : « أوتيت الكتاب ومثله معه » يعني السّنن . وعلى هذا الحديث يخرج في رأينا كل ما رووه ما حسبوه كان قرآنا فرفع وبطلت

--> ( 1 ) نجمت في الأمة من غير أهل السنّة فرق كثيرة يكفر بعضها بعضا وكل فرقة منهم اعتدت نفسها أمة . . فذهبت هي أيضا فرقا مختلفة يكفر بعضها بعضا . ومن رؤوس الفرق المعروفة : المعتزلة ، وهم عشرون فرقة ، والشيعة اثنتان وعشرون ، والخوارج سبع فرق ، وبعض هذه الفرق يفترق أيضا . . . كالعجاردة فإنهم عشر ، ومنهم فرقة الثعالبة ، وهي وحدها أربع فرق ، ثم المرجئة ، وفرقهم خمس ، والنجارية ، وهم ثلاث . وكل أولئك منهم جبرية ، ومنهم مشبهة ، ولجميعهم نبز يعرفون به ، وغيرهم كثير أحصاهم المؤلفون في الملل والنحل . قلنا : ولولا حفظ اللّه لكتابه وأنه المعجزة الخالدة ، لما بقي منه بعد هؤلاء حرفا واحدا فضلا عن أن يبقى بجملته على الحرف الواحد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .